الشيخ محمد رشيد رضا

408

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الخاص بربهم افتراء عليه وكفرا به ، يستحق فاعلوه أشد عقابه ، وهو يتضمن الشهادة على صدق رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم في كونه مبلغا لهذا القرآن عنه تعالى ، مؤكدا لما تقدم من الحجج على صدقه ، وعلى كون القرآن كلام اللّه المعجز لجميع خلقه . قال عز وجل لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم قُلْ أَ رَأَيْتُمْ أي أخبروني أيها الجاحدون للوحي والتشريع الإلهي ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ أي هذا الذي أفاضه اللّه عليكم من سماء فضله وإحسانه من رزق تعيشون به من نبات وحيوان ، وكل عطاء منه تعالى يعبر عنه بالانزال كقوله ( 39 : 6 وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ ) وقوله ( 57 : 25 وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ) - فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا أي فترتب على انزاله لمنفعتكم ان جعلتم بعضه حراما وبعضه حلالا . وقد تقدم تفصيل هذا في سورة الأنعام من قوله تعالى ( 6 : 136 وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا - إلى قوله - 150 قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا ) الآيات « 1 » وفي معناها قوله من سورة المائدة ( 5 : 103 ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ ، وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) أي يفترون عليه بتحريم ما لم يحرمه « 2 » وقال هنا وهو المراد من الاستخبار قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ هذا الاستفهام للتقرير ومدت همزته لدخولها على الف اسم الجلالة . اي انه ليس لأحد حق أن يحرم على الناس ويحل لهم إلا ربهم اللّه ، فهل اللّه هو الذي أذن لكم بذلك بوحي أنزله إليكم ؟ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ بزعمكم انه حرمها عليكم ؟ أي لا مندوحة لكم عن الاقرار بأحد الامرين : إما دعوى الاذن من اللّه لكم بالتحليل والتحريم ، وهو اعتراف بالوحي وأنتم تنكرونه وتلحون وتلجون في الانكار ، وتزعمون أنه محال عليه تعالى أن يوحي إلي أحد من الناس ، وإما الافتراء على اللّه ؟ وهو الذي يلزمكم بانكار الأول إذ لا واسطة بينهما ، ويحتمل أن يكون الاستفهام للانكار وأم متصلة ،

--> ( 1 ) راجع تفسيرها في ص 122 ج 8 تفسير ( 2 ) راجع تفسيرها في ص 202 ج 7 تفسير